
قبل سنتين قرأت رواية يوسف زيدان الشهيرة “عزازيل” وقد أعجبتني حينها إلا أني قد نسيت أغلب أحداثها ما عدا شخصية هيباتيا التي تعرّف عليها بطل الرواية الراهب هيبا أثناء رحلته إلى الأسكندرية، هناك رأى امرأة جميلة فيلسوفة وعالمة رياضيات وفلك تقوم بالتدريس وشرح مبادئ الرياضيات لأهل الإسكندرية سواء كان من بني قومها الوثنيون أو المسيحيون رغم كل الخلافات بينهم إلا أن همّ هيباتيا الوحيد هو نشر العلم كما أنها لا تؤمن بآلهة، في رواية عزازيل كانت الأحداث التاريخية صحيحة ومعروفة في كتب التاريخ المسيحي ماعدا قصة هيبا بطل الرواية فهي من مخيلة الروائي لذلك ما كتبه عن هيباتيا كان صحيحا ومؤلما جدا حيث قتلت هيباتيا العالمة التي تؤمن بالفلسفة قتلة شنيعة على أيدي المسيحيين المتعصبين أنصار الأسقف كيرليس الذين رأوا فيها فتنة تغوي الرجال! وفي الرواية رأي هيبا الراهب بني قومه وهم يجرون هيباتيا لحتفها وقد استنجدت به بنظرات عينيها وبعدها رحل عن الإسكندرية وهو الذي قد حضر دروس هذه العالمة الكبيرة وأحبها ، سيطر علي مشهد قتل هيباتيا في الرواية حيث جرودها من ثيابها وسحلوها في الشوارع حتى تسلخ جلدها ثم قاموا بسلخ الباقي وألقوها في النار وهم يشتمونها ويسبونها بأقذع الألفاظ فقط لأنها امرأة ولا تؤمن بالإله الذي يؤمنون، ومنذ لك الحين وأنا أؤجل مشاهدة فيلم Agora حتى أنسى مشهد قتل هذه العالمة والفيلسوفة الجميلة.
![]()
قبل يومين فقط قررت مشاهدة هذا الفيلم الذي يحكي عن هذه العالمة الشهيرة التي اكتشفت أن الشمس هي المركز والكواكب بما فيها الأرض تدور حولها على شكل قطع ناقص وليس دائرة تامة الشكل وأن هناك دائرتين متداخلتين أولها الدوران حول الشمس والثانية دوران الكوكب حول نفسه، كما أنها درست فلسفتي أفلاطون وأرسطو وقامت بتدريسهما في قاعة محاضراتها في مكتبة الإسكندرية الشهيرة التي تحوي علوما كثيرة ومتقدمة، هيباتيا ابنة الفيلسوف ثيون أخر فلاسفة الإغريق الوثنيين في الإسكندرية الذي قتل في معركة دينية للأسف والفيلم يسلط الضوء على صراع الأديان وكيف أن الأديان تفرّق بدل أن تجمع وكانت هناك مناوشات في قاعة محاضرات هيباتيا وكانت تردد عليهم دائما: “ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا وأريدكم أن تتذكروا دوما أن القتال من عادة العبيد والرعاع” لكن لا حياة لمن تنادي فقد نشبت حرب ومعركة بين الوثنيين والمسيحيين وبعدها أصبحت الشوكة للمسيحيين حيث اقتحموا المكتبة وأحرقوا ما فيها من كتب وعلم ورقائق مرددين أنها: نفايات الوثنيين! -و كأي مشهد لحرق مكتبة يؤلمني جدا وأظل أفكر فيه كثيرا- وانتصروا فأجبر كثير من الوثنيين على التنصر فاتبعوا ديانتهم حتى أصبح الوثنيين أقلية أما هيباتيا التي فقدت والدها في هذه الحرب الدينية اعتزلت الناس وبدأت بتعليم الصغار الحساب وتقلّد طلابها مناصب رفيعة وبعد تمكّن المسيحيين من الإسكندرية رأينا مشهدا آخر لكن هذه المرة ضد اليهود فقد اقتحموا مسرحهم وهم يلهون يوم سبت ورموهم بالحجارة وأفسدوا حفلهم وهكذا استمرت هذه المدينة بالحرب بين الأديان والطوائف التي فيها وكلٌ يتنصر لدينه، كان شيئا مؤلما ما يفعله التعصب الأعمى للناس وأكثر من يفقد حياته هم العامة الذين ينقادون لقوّادهم المحركين لهذه الجماهير العاطفية، وأخيرا أصدر الأسقف كيرليس بتحريم تعليم المرأة للرجال وبأن هيباتيا ما هي إلا شيطان وفتنة حيث أجبرت النساء على اللباس المحتشم الذي يغطيهن بالكامل ما عدا هيباتيا التي تمشي في الشوارع بدون غطاء رأس لذلك هي تفتن كل من ينظر إليها وصدر الأمر بقتلها وتطهير الإسكندرية من هذه الشيطانة وقام الأتباع بدون وعي بسحبها في الشارع وقتلها ولا أعرف أي المشهدين ألطف أهو مشهد قتلها في الرواية أم في الفيلم لكن كلاهما كان بشعا جدا وفي الفيلم تم رميها بالحجارة حتى ماتت، وبالمناسبة الفيلم يحتوي على مشاهد قتل عنيفة لا أنصح بمشاهدتها، وبموتها أسدل الستار على على حضارة إغريقية سكنت الإسكندرية وماتت أشهر عالمات عصرها وقد عجز علماء الفلك بعد موتها بمئات السنين عن تحديد الطريقة التي تدور بها الأرض بل بعضهم مازال مصرا على أن الأرض مسطحة حتى دخل عصرنا الجديدة بكل مقوماته العلمية والتقنية ليخبرنا أن هيباتيا التي سحلت وأحرقت بسبب علمها كانت على صواب وسبقت العلماء بمئات السنين في تحديد حركة الكواكب.
Filed under: كتب وأفلام،شخصيات | 2 تعليقات »























